محمد سعيد رمضان البوطي

274

فقه السيرة ( البوطي )

النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أرشد من يريد أن يستبدل تمرا جيدا برديء أو غيره من المطعومات بمثله ، أو وسيلة أخرى سائغة لا ربا فيها ، وهي أن يبيع الرديء بالدراهم ثم يشتري بها الجيد الذي يبتغيه ، ولا يضيره في شيء أنه إنما يريد أن يتوسل بالبيع ، إلى شيء آخر كان محرما في الأصل وأنه لا يقصد البيع ذاته ، لأن الرسول صلى اللّه عليه وسلم سوغ ذلك ، وإنما المحرم ما قد نهى عنه الكتاب أو نهت عنه السنة نهيا جازما . والحكم الذي يستنتج من هذا ، أنه يجوز التوصل إلى تحويل حكم لآخر بواسطة مشروعة لذلك ، ولا يعتبر ذلك حيلة محرمة ، فيجوز أن ينكح الرجل امرأة مطلقة بقصد تحليلها لزوجها السابق إذا لم يشترط ذلك في العقد ، ويجوز أن يعطي صاحب الدين زكاة ماله للمدين الذي عجز عن إبراء ذمته نحوه ، ثم يسترده منه عن دينه . ولا عبرة لمخالفة ابن القيم في هذا ، محتجا بأن الأعمال بمقاصدها ، وإن الذي باع ، قاصدا شيئا آخر غير ما شرع له البيع ، والذي نكح قاصدا غير الذي شرع له النكاح ، متلبسان بفعل باطل لأنهما حوّلا الحكم عن غايته إلى غاية أخرى لم يشرع لها ذلك الحكم ، نقول : لا عبرة لكلامه هذا ، لأنه يناقض حديث البخاري الذي ذكرناه مناقضة صريحة والقواعد الفقهية إنما تأتي من وراء النصوص لا من فوقها ، ولأن ابن القيم ناقض نفسه مناقضة في منتهى الغرابة والعجب بصدد هذا البحث في كتابه : أعلام الموقعين ، فقد أطال في ذم تحريم بعض الصور التي سماها حيلا محرمة وأطنب في تفنيد آراء الأئمة القائلين بصحتها ، وتوعد بأن لهم مواقف عصيبة بين يدي اللّه يوم القيامة ، ثم ما لبث بعد بضع صفحات أن راح يسوّغها ويضرب المثل بها للحيل الشرعية الصحيحة ، وكأنه ليس هو الذي أطنب قبل قليل في تفنيدها والتحذير منها « 1 » . ثم إن في هذه الغزوة حادثتين ، كل منهما ثابت بالحديث الصحيح ، تعدان من الخوارق العظيمة التي أيد اللّه بها محمدا صلى اللّه عليه وسلم . أولاهما : أنه صلى اللّه عليه وسلم تفل في عين علي رضي اللّه عنه وقد كان يشتكي منها ، فبرأت في الوقت نفسه حتى كأن لم يكن به وجع .

--> ( 1 ) انظر أعلام الموقعين : 3 / 292 ط . التجارية عندما يتحدث عن حيلة التوسل بالخلع لدرء الطلاق قائلا : هذه الحيلة باطلة شرعا . . إلخ ثم انظر 4 / 110 منه ، لتجد كيف يسوغ هذه الحيلة ويوجهها بعشرة أوجه من الأدلة المعتبرة عنده ، وانظر ما قبل ذلك وبعده لتجد صورا من التناقض العجيب ! . وإذا أردت التوسع في بحث ما يسمى بالحيل الشرعية وأثر المقاصد في العقود والأحكام ، فارجع إلى تفصيل ذلك في كتابي ، ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية من ص 293 - 324 .